محمد متولي الشعراوي
797
تفسير الشعراوي
الذي تحرك به مالك الأرض ليزرع النبات أو ليربى الحيوان ، فلا تقل : إن ذلك النبات في الأرض وأنا آكل منه ، أو أن ذلك حيوان موجود أمامى وأنا اصطدته . إن الحق يضع التشريع لينظم الحركة في المال المملوك للغير بعد أن نظم الحركة في المال غير المملوك والطعام غير المملوك ، فإذا سبقك إلى المال غير المملوك أو الطعام غير المملوك إنسان ، أو تحرك إنسان بحركة في الوجود فاستنبط مالا صارت هناك قضية أخرى لا تتعلق بذات المأكول ، ولكن بملكية المأكول ، فقد بيّن اللّه سبحانه : أن كل عمليات اقتياتك في الحياة عملية لا يمكن أن تستقل بها أنت ، فلا بد من اختلاط حركة الآخرين معك ، فأنت لا تأكل إلا مما يكون في أيديهم ، وهم لا يأكلون إلا مما يكون في يدك . فالفلاح مثلا يبذر البذر ، ولكنّه يحتاج إلى الصانع الذي يصنع له الفأس ، ويصنع له المحراث ، ويصنع له الساقية ، والذي يصنع ذلك يحتاج إلى من يعلمه ، ويحضر له المواد الخام ، إذن فلو سلسلت الأشياء التي توصلك إلى الطعام لوجدت حركات الكون كلها تخدم هذه المسألة . وهكذا نجد أن الآكل من المال المتداول أمر شائع بين البشر ، ويريد اللّه أن يضبطه بنظام فقال سبحانه : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 188 ] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 ) وما دامت أموالي فلماذا لا آكلها ؟ إن الأمر هنا للجميع ، والأموال مضافة للجميع ، فالمال ساعة يكون ملكا لي ، فهو في الوقت نفسه يكون مالا ينتفع به الغير .